ابن عجيبة
573
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أحسن أم الشمس أم القمر ؟ فإذا بيوسف قد انتبه من نومه ، وقال : يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً . . . إلخ ، فلما قص الرؤيا على أبيه بكى ، فقال يوسف : لم تبكى يا أبتى ؟ قال : يا بنى لم يسجد مخلوق لمخلوق إلا عند المحنة ، والبلاء ، ألا ترى الملائكة لما أسجدهم اللّه لآدم ، كيف ابتلى بالخروج من الجنة ؟ ثم قال له : يا بنى ؛ الشمس والقمر أنا وخالتك - وكانت أمه قد ماتت - والإحدى عشر كوكبا إخوتك . ه . قالَ يا بُنَيَّ ، وهو تصغير ابن ، صغر للشفقة أو لصغر السن ، وكان ابن ثنتى عشرة سنة ، لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ؛ فيحتالوا لإهلاكك حيلة . فهم يعقوب عليه السّلام من رؤياه أن اللّه يصطفيه لرسالته ، ويفوقه على إخوته ، فخاف عليه حسدهم . ومن خاف من شئ سلط عليه . والرؤيا تختص بالنوم ، والرؤية ، بالتاء بالبصر . قال البيضاوي : وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ، والمصادفة منها إنما يكون باتصال النفس بالملكوت ؛ لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ . انظر تمامه فيه . وأخرج الحاكم في المستدرك ، والطبراني في الأوسط ، عن ابن عمر قال : لقى عمر عليّا - رضى اللّه عنهما - فقال : يا أبا الحسن ، الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ، ومنها ما يكذب ، قال : نعم . سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلى نوما إلا عرج بروحه إلى السماء . فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدق ، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب » « 1 » . ه . فمنها ما تكون واضحة المعنى لا تحتاج إلى تعبير ، ومنها ما تكون خفية تحتاج إلى تعبير . والمعبر يحتاج إلى علم وفراسة وزيادة إلهام ، فعلم التعبير علم مستقل ، قد أعطى اللّه منه ليوسف عليه السّلام حظا وافرا . ولما قال يعقوب لابنه : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً قال : يا أبت ، الأنبياء لا يكيدون ، قال له : إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ؛ ظاهر العداوة ؛ لأجل ما فعل بآدم وحواء ، فلا يألوا جهدا في تسويلهم ، وإثارة الحسد فيهم ، حتى يحملهم على الكيد . قيل : لم يسمع كلام يوسف في رؤياه إلا خالته - أم شمعون - فقالت لإخوته : التعب عليكم ، والإقبال على يوسف . فحركهم ذلك حتى فعلوا ما فعلوا . وقيل : أخبرت بذلك ولدها شمعون ، فأخبر شمعون إخوته ؛ فخلوا به وقالوا له : إنك لم تكذب قط . فأخبرنا بما رأيت في نومك ، فأبى . فأقسموا عليه ، فأخبرهم . فوقعوا فيما فعلوا به . ثم قال له : وَكَذلِكَ أي : وكما اجتباك لهذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس ، يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ للنبوة والملك ، أو لأمور عظام ، وَيُعَلِّمُكَ أي : وهو يعلمك مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ؛ من تعبير
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 4 / 396 و 397 ) .